عبد الفتاح عبد المقصود
121
في نور محمد فاطمه الزهراء
رأت الأمر أبلج « 1 » كوضح الصبح ، مسفراً عن سرّه المكين ، رأي يقين . * * * حدث هذا ذات فجرٍ في رمضان ، عند ذاك كان أبوها قد قفل راجعاً من الغار ، على غير معهود عادته ، برح « 2 » خلوته ، في تلك الآونة المبكّرة من يقظة النهار ، بدا بخلاف المألوف ، لاح شاحب اللون ، واجف القلب ، مضطرب النظرة ، قلق الخطوة ، راجف الأوصال . لقد فَجَأَهُ في الجبل من وحي السماء ما لم يخطر بباله قطّ أنّ هكذا يجيئه أو يكون ، فإذا كيانه يتزلزل ، وإذا ثباته يتقلقل ، وإذا هدوؤه يرتجّ ، وإذا فكره يتبلبل ، وإذا شعوره الوطيد بالأمان يتسرّب من كلّ ذرّةٍ فيه كما يتسرّب من بين الأصابع الماء . أفحقّ هذا الذي سمعه ورآه ؟ أم هو أضاليل أوهام ؟ أم هذيان محموم ، وما ثمّة حمىً لا سورة سقام ؟ أم عبث شيطان ؟ أم رؤىً من الجانّ ؟ وفر منه قراره النفسي ، كما عبث ببدنه الاضطراب ، وملك عليه قلقه آفاق التفكير . * * * وغرق في حيرةٍ سحيقة الأغوار . ولكنّ صدر خديجة : زوجه العطوف ، تلقاه بكلّ ما يضمّ من رعاية ورفق ، وحبّ صدر أُمٍّ رؤوم « 3 » .
--> ( 1 ) . الأبلج : الظاهر البيّن ، الواضح المشرق . ( 2 ) . برح : ترك . ( 3 ) . الرؤوم : العطوف .